عبد الملك الجويني

118

نهاية المطلب في دراية المذهب

القسامة ، ثم في كتاب الدعاوى ، إن شاء الله - هذه مسألة في الاختلاف . المسألة الثانية - أن يقع الوفاق على أصل الإذن ، ويعودَ الخلاف إلى جريان الوطء ، فقال الراهن : قد وطئتُ ، وأنكر المرتهن ذلك . فيقول : ما وطئتَ ، وليس الولد الذي جاءت به الجارية منك . هذا أصل التصوير . ثم ذكر الأئمة صورتين : إحداهما - أن يبتدئ الراهن فيقول : أذنتَ لي في الوطء ، فوطئتُ ، وأعلقتُ . ثم يقول المرتهن : أذنت لك ، وما وطئت ، فالقول قول الراهن ؛ فإن الإذن متفق عليه ، والوطء المختلف فيه من فعل الراهن ، فليكن الرجوع إليه في فعله . هذا هو الأصح . ومن أصحابنا من قال : الأصل عدمُ الوطء ، وبقاء الرهن . وهذا يناظر ما لو قال الرجل لامرأته : إن زنيتِ ، فأنت طالق ، فإذا زعمت أنها زنت ، فالقول قول الزوج في إنكار زناها ؛ فإن الأصل عدم وقوع الطلاق ، وعدم الزنا . هذا أصل المذهب . وليس كما لو قال : إن حضت ، فإنت طالق ، فقالت : حضتُ ، فالقول قولها ؛ إذ لا يُطلع على حيضها إلا من جهتها ، ويُطَّلع على سائر أفعالها من غير جهتها . ولا فرق بين ما يخفى في العادة وبين ما يظهر ، كدخول الدّار ونحوه . ومن أصحابنا من صدق المرأة فيما يخفى وتطرد العادة بكتمانه ، كالزنا ونحوه . وهذا مزيف لا أصل له . فإن قيل : لم كان ظاهر المذهب تصديقَ الراهن في الصورة التي ذكرتموها ؟ وما الفرق ؟ قلنا : إذا كان الوطء مأذوناً ، فادّعاه من أُذن له ، كان هذا ادعاءَ أمر يملك إنشاءه ، وكل مأذون في شيء يدعي مع دوام الإذن إيقاعَ ما أُذن فيه ، فقوله مقبولٌ ، كالوكيل بالبيع إذا ادّعى البيعَ قبل أن يُعزل ؛ فتصديق الراهن يؤخذ من هذا الأصل ، وهو غير متحقق في تعليق الطلاق بالصفات ؛ إذ ليس في التعليق تسليطٌ على أمرٍ وتولية في شيء ، والطلاق يعلق تارةً بما يدخل تحت اختيار الزوجة ، وتارة يعلّق بأمور ضرورية ، لا اختيار فيها كغروب الشمس وطلوعها . هذا فيه إذا قال الراهنُ أولاً : أذنت لي ، فوطئت . وقال المرتهن بعده : ما وطئتَ .